يرى شهير شهيدسالِس، المحلل السياسي الإيراني-الكندي، في مقال نشره موقع ميدل إيست آي، أن الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق قرب إيران يضع الطرفين أمام مفترق حاسم: مواجهة مفتوحة ذات كلفة كارثية، أم تراجع استراتيجي متبادل يفضي إلى اتفاق غير متوقع.
حشد عسكري ورسائل ردع
يشير الكاتب إلى أن واشنطن نفذت أكبر تعبئة إقليمية منذ غزو العراق عام 2003. تعمل حاملة الطائرات “جيرالد فورد” في المتوسط، وتتحرك للالتحاق بأسطول ضخم، بينما دفعت الولايات المتحدة بست طائرات إنذار مبكر من طراز “إي-3 سنتري”، أي نحو 40 بالمئة من أسطولها، لتأمين “عيون في السماء” تنسق الدفاعات الجوية في مواجهة أي رد إيراني محتمل.
يعكس هذا الانتشار استعداداً لحملة عسكرية مع توقع رد انتقامي من طهران. ومع ذلك، يعارض الرئيس دونالد ترامب تقليدياً الانخراط في حروب طويلة، كما يهدد أي نزاع شامل أجندته الاقتصادية الداخلية. قد يدفع تصعيد واسع أسعار النفط إلى ما بين 90 و200 دولار للبرميل، ما يربك الأسواق ويضر بالاقتصاد الأميركي.
في المقابل، قد يرى ترامب في ضربة حاسمة فرصة لإعادة ترتيب إقليمي شامل عبر تفكيك ما يسميه “محور المقاومة” وبناء محور جديد يرتكز إلى واشنطن وتل أبيب والرياض. كما قد تدفعه اعتبارات داخلية، بعد انتكاسات قضائية وسياسية، إلى السعي لإنجاز عسكري يعزز صورته كرجل قوي.
مأزق المصداقية وضغط الداخل الإيراني
حذّر ترامب طهران من أن أمامها مهلة قصيرة للتوصل إلى “اتفاق ذي معنى”، وإلا “ستحدث أمور سيئة”. يضع هذا الخطاب الإدارة في ما يُعرف بـ”فخ المصداقية”: التراجع بعد التهديد قد يضعف صورة الحزم التي يحرص عليها ترامب.
على الجانب الإيراني، يواجه المرشد علي خامنئي قيادة دولة مثقلة باحتجاجات داخلية وقمع واسع وأزمة اقتصادية حادة. تعاني العملة من تدهور حاد، وتسجل أسعار الغذاء مستويات تضخم مرتفعة للغاية. يرى الكاتب أن الحرب قد تشكل الشرارة الأخيرة لانفجار داخلي واسع، ما يجعل القيادة حذرة من التصعيد.
ومع ذلك، يصعب على النظام تقديم تنازلات كبيرة تمس برنامجه النووي أو صورته الثورية. يستند تماسكه إلى قاعدة أيديولوجية ترى في المواجهة مع الولايات المتحدة جوهر الهوية السياسية للنظام. قد تكلّف أي “استسلام” علني القيادة خسارة داخلية تفوق مخاطر المواجهة.
سيناريوهات الضربة و”اليوم التالي”
يرجّح المخططون الأميركيون، في حال فشل التفاوض، أحد مسارين: ضربة محدودة سريعة تعتمد قوة ساحقة دقيقة لتدمير مواقع الصواريخ والقدرات الاستراتيجية ثم إعلان النصر والانسحاب؛ أو تصعيد يتدحرج إلى حملة أوسع تستهدف تغيير النظام، سواء بقرار مسبق أو نتيجة رد إيراني واسع يفشل احتواؤه.
يحذر الكاتب من أن السيناريو الثاني يفتح باب “اليوم التالي” المجهول. يتطلب استقرار ما بعد إسقاط النظام وجوداً برياً كبيراً، أي تورطاً في حرب طويلة لطالما رفضها ترامب. كما قد تواجه أي سلطة بديلة مقاومة شرسة من شبكات مسلحة مدرَّبة على حرب لامركزية وفق عقيدة “الدفاع الفسيفسائي”.
فرصة صفقة مفاجئة
رغم المخاطر، يرى شهيدسالِس أن احتمال التوصل إلى صفقة يبقى مرجحاً قليلاً أكثر من اندلاع حرب شاملة. قد تقود كلفة المواجهة العالية الطرفين إلى تراجع استراتيجي غير متوقع. أثار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي جدلاً حين أشار إلى أن واشنطن لم تطالب بـ”صفر تخصيب”، وأن المحادثات تركز على ضمان سلمية البرنامج النووي بشكل دائم.
كما نقلت تقارير أن الإدارة الأميركية قد تدرس مقترحاً يسمح بتخصيب رمزي محدود إذا أغلق أي مسار نحو سلاح نووي. إذا صحت هذه المعطيات، فقد يتغير مشهد الأزمة جذرياً.
يختتم الكاتب بالإشارة إلى نظرية “عقلانية اللامعقول” التي صاغها توماس شيلينج، والتي تفترض أن إظهار قدر من عدم التنبؤ قد يدفع الخصم إلى التراجع. ربما يستخدم ترامب هذا النهج للضغط نحو صفقة. لكن، كما يذكر الكاتب، غالباً ما تنشب الحروب نتيجة سوء تقدير لا نتيجة حسابات منطقية.
في نهاية المطاف، تبقى الكلفة باهظة على الطرفين. وقد تدفع وطأة النتائج المحتملة، بكل ما تحمله من مفاجآت، واشنطن وطهران إلى اختيار طريق كان يبدو مستحيلاً قبل أسابيع قليلة.
https://www.middleeasteye.net/opinion/us-iran-collision-course-war-surprise-deal

